محمد جمال الدين القاسمي

152

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

والأحاديث في ذلك متوافرة . ويكفي هذا المقدار . وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرى إِثْماً عَظِيماً أي افترى واختلق ، مرتكبا إثما لا يقادر قدره . ويستحقر دونه جميع الآثام . فلا تتعلق به المغفرة قطعا . قال ابن القيّم رحمه اللّه تعالى في كتابه ( الجواب الكافي ) : الشرك بالرب تعالى نوعان : شرك به في أسمائه وصفاته ، وجعل آلهة أخرى معه . وشرك به في معاملته . وهذا الثاني قد لا يوجب دخول النار ، وإن أحبط العمل الذي أشرك فيه مع اللّه غيره . وهذا القسم أعظم أنواع الذنوب ، ويدخل فيه القول على اللّه بلا علم ، في خلقه وأمره . فمن كان من أهل هذه الذنوب ، فقد نازع اللّه ، سبحانه وتعالى ، ربوبيته وملكه . وجعل له ندّا . وهذا أعظم الذنوب عند اللّه . ولا ينفع معه عمل . وقال بعد ذلك : وكشف الغطاء عن هذه المسألة أن يقال : إن اللّه عز وجل أرسل رسله وأنزل كتبه وخلق السماوات والأرض ، ليعرف ويعبد ويوحد ويكون الدين كله له ، والطاعة كلها له ، والدعوة له . كما قال تعالى : وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [ الذاريات : 56 ] . وقال تعالى : وَما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما إِلَّا بِالْحَقِّ [ الحجر : 85 ] . وقال تعالى : اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً [ الطلاق : 12 ] . وقال تعالى : جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرامَ قِياماً لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلائِدَ ذلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [ المائدة : 97 ] . فأخبر سبحانه أن القصد بالخلق والأمر أن يعرف بأسمائه وصفاته ، ويعبد وحده لا يشرك به ، وأن يقوم الناس بالقسط . وهو العدل الذي قامت به السماوات والأرض . كما قال تعالى : لَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلَنا بِالْبَيِّناتِ وَأَنْزَلْنا مَعَهُمُ الْكِتابَ وَالْمِيزانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ [ الحديد : 25 ] . فأخبر سبحانه أنه أرسل رسله وأنزل كتبه ليقوم الناس بالقسط ، وهو العدل . ومن أعظم القسط التوحيد . بل هو رأس العدل وقوامه . وإن الشرك ظلم عظيم . كما قال تعالى : إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ [ لقمان : 13 ] . فالشرك أظلم الظلم . والتوحيد أعدل العدل . فما كان أشد منافاة لهذا المقصود فهو أكبر الكبائر . وتفاوتها في درجاتها بحسب منافاتها له . وما كان أشد موافقة لهذا المقصود ، فهو أوجب الواجبات وأفرض الطاعات . فتأمل هذا الأصل حق التأمل واعتبر به تفاصيله ، تعرف به أحكم الحاكمين وأعلم العالمين ، فيما فرض على عباده وحرمه عليهم .